بدت إحدى الشركات في وضع جيد بسبب مبيعاتها القوية.
بعد أشهر من نهاية العام، كان التدقيق الخارجي جاريًا عندما سُجلت أخيرًا تكاليف تلك المبيعات. عندها تغيرت الصورة. كانت المبيعات حقيقية، لكن غياب تكاليفها عن الحسابات جعل الإدارة ترى الشركة طوال تلك الأشهر أكثر ربحية مما كانت عليه.
رأيت النمط نفسه في شركات لا تسجل المبيعات، وتكلفة المبيعات، والمصروفات، والأصول الثابتة إلا بعد نهاية العام. وخلال العام، تحفظ بيانات المبيعات في جدول إكسل، والمصروفات في جدول آخر، وأرصدة الموردين في ملف منفصل. وتتابع الإدارة رصيد البنك، وتعتمد على ذاكرة الموظفين لمعرفة بقية العمليات المالية.
ثم يبدأ التدقيق. تجمع الشركة الفواتير، وتكتشف عمليات مالية لم تسجلها، ثم تسجل في النظام المحاسبي العمليات التي جرت خلال الأشهر السابقة. وفي النهاية تعد قوائمها المالية.
قد يبدو هذا مجرد تأخر في التسجيل. لكن الخسارة الأكبر أن الإدارة أمضت أشهرًا تتخذ قراراتها من دون حسابات مكتملة توضح وضع الشركة.
يمكن إعداد الحسابات من جديد، لكن العام لا يعود
يتعامل كثير من المؤسسين مع المحاسبة في البداية بوصفها متطلبًا للمدقق، أو الجهة الضريبية، أو البنك، أو المستثمر. وإذا كانت هذه الجهات لا تطلب الأرقام إلا مرة في العام، فقد يظن المؤسس أن إعداد الحسابات مرة في العام يكفي.
وقد يبدو ذلك كافيًا لبعض الوقت. عندما تكون عمليات الشركة قليلة، قد يتذكر المؤسس أهم المبيعات والتكاليف. ويعطيه رصيد البنك فكرة تقريبية عما تستطيع الشركة تحمله. وتسد بعض جداول إكسل النقص في المعلومات.
لكن هذه الطريقة غالبًا ما تصبح غير مناسبة مع نمو الشركة قبل أن تلاحظ الإدارة ذلك.
ومع نمو الشركة، تزداد الأمور التي تحتاج الإدارة إلى متابعتها، ومنها المشتريات، والرواتب، والمخزون، والأصول، وأرصدة العملاء، ومستحقات الموردين، وشروط السداد. عندها لا توضح الملفات المنفصلة ورصيد البنك وحدهما ما إذا كانت المبيعات مربحة، أو مقدار النقد الذي التزمت الشركة بصرفه بالفعل، أو المبالغ المستحقة عليها.
وعندما تكشف الحسابات التي أُعدت متأخرة ضعف هوامش الربح، أو تأخر التحصيل، أو تراكم مستحقات الموردين، قد تكون هذه المشكلات قائمة منذ أشهر. قد تساعد هذه المعلومات في تحسين القرار القادم، لكنها وصلت بعد أن اتخذت الإدارة قراراتها السابقة، فلا يمكن تحسينها.
وجود البيانات لا يعني اكتمال الحسابات
يستمر تأخر المحاسبة غالبًا لأن المعلومات ليست مفقودة تمامًا، بل موزعة على ملفات مختلفة. وقد تظهر بعض العمليات المالية فيها، من دون أن توضح هذه الملفات مجتمعة الوضع المالي الكامل للشركة.
يمكن لإكسل حفظ أنواع كثيرة من البيانات. وقد يعرض جدول المبيعات كل فاتورة من دون أن يبين إن كانت تكاليف المبيعات المرتبطة بها قد سُجلت. وقد يسجل جدول المدفوعات المبالغ الخارجة من البنك من دون أن يوضح أي أرصدة للموردين سُددت بهذه المبالغ. وقد تكون بيانات كل ملف صحيحة، بينما تبقى الحسابات ناقصة.
المشكلة ليست في مكان حفظ الأرقام فقط، بل في ربط آثار العملية المالية الواحدة معًا.
فعندما تبيع الشركة منتجًا بالأجل، قد تؤثر العملية في الإيراد، ورصيد العميل، والضريبة المستحقة على البيع، والمخزون، وتكلفة المبيعات. وعندما تسدد الشركة مبلغًا مستحقًا لمورد، ينخفض رصيد الشركة النقدي وينخفض المبلغ المستحق لذلك المورد. أما دفع ثمن أصل ثابت، فلا يخرج الأصل من الحسابات. وهكذا تسجل المحاسبة آثار العملية الواحدة معًا، بدلًا من أن تترك كل أثر في قائمة منفصلة.
إذا لم تسجل الشركة هذه الآثار معًا، تضطر إلى جمع المعلومات وربطها كلما أرادت معرفة وضع الشركة. وعندها يصبح إعداد الحسابات مهمة مستقلة، بدلًا من أن يكون نتيجة طبيعية لتسجيل العمليات.
يتضح ذلك عندما تسأل الإدارة سؤالًا بسيطًا، ولا تحصل على الإجابة إلا بعد أن يجمع موظف واحد عدة ملفات إكسل ويطابق بينها. قد تكون لدى الشركة بيانات كثيرة، لكنها لا تملك سجلًا محاسبيًا موحدًا يمكن الاعتماد عليه.
لا يحل شراء نظام محاسبي المشكلة بالضرورة. رأيت شركات أدخلت نظامًا محاسبيًا بعد سنوات من استخدام إكسل، ثم واصلت الاعتماد على الجداول بوصفها سجلها المحاسبي الأساسي. سُجلت بعض العمليات في النظام، وبقيت عمليات أخرى خارجه. وأصبح لدى الشركة سجلان ناقصان بدلًا من سجل واحد.
يجب أن يستخدم الموظفون النظام لتسجيل العمليات طوال العام، لا عند الحاجة إلى تقرير فقط. ويجب أن تحدد الشركة من يسجل كل عملية، وما المستندات التي تثبتها، وكيف تُصحح الأخطاء، ومن يراجع الحسابات.
بساطة المحاسبة لا تعني تأخيرها
تحتاج الشركة منذ البداية إلى سجلات مالية محدثة ويمكن الاعتماد عليها. ولا يعني ذلك أن كل شركة جديدة تحتاج إلى فريق محاسبة داخلي أو نظام متطور. وعندما تكون العمليات قليلة، قد تكفي إجراءات محاسبية بسيطة.
هناك فرق بين المحاسبة البسيطة والمحاسبة المتأخرة. الطريقة البسيطة تسجل العمليات من دون تأخير. أما الطريقة المتأخرة فتترك العمليات حتى تتراكم، ثم تضطر الشركة إلى جمعها وتسجيلها لاحقًا.
حتى الشركة الصغيرة يجب أن تحفظ فواتيرها، وعقودها، وإيصالاتها، وسجلات الرواتب، وكشوف حساباتها البنكية، والموافقات. ويجب أن تسجل الشركة العمليات ما دام المعنيون بها يتذكرون الغرض منها. ومع زيادة عدد العمليات، يجب أن تعتمد الشركة نظامًا محاسبيًا مناسبًا ليصبح سجلها المعتمد.
لا توجد قاعدة مفيدة تعتمد على عمر الشركة أو إيراداتها وحدهما. لكن الأفضل هو النظر إلى طريقة عمل الشركة. هل تستطيع الإدارة الإجابة عن سؤال معتاد حول المبيعات أو التكاليف أو أرصدة العملاء أو مستحقات الموردين من دون أن يجمع موظف واحد عدة ملفات ويطابق بينها؟ إذا لم تستطع، فهذا يعني أن طريقة المحاسبة الحالية لم تعد مناسبة لحجم عمل الشركة.
قد يؤجل المؤسس تنظيم السجلات بسبب التكلفة، وهذا مفهوم. لكن الشركة تظل بحاجة إلى شخص قادر على إنشاء سجلات يمكن الاعتماد عليها، سواء كان موظفًا أو محاسبًا خارجيًا أو كليهما.
تظهر تكلفة المحاسبة في الرواتب والبرامج. أما تكلفة ضعف المحاسبة فتظهر في القرارات التي تتخذها الشركة بناءً على معلومات ناقصة أو غير موثوقة. لذلك قد لا يكون خفض الإنفاق على المحاسبة توفيرًا حقيقيًا.
تسجيل العمليات من دون تأخير ضروري، لكنه لا يكفي وحده لإعداد حسابات شهرية يمكن الاعتماد عليها. يجب أيضًا تسوية الحسابات ومراجعتها وإجراء التعديلات اللازمة ثم إقفالها. لكن الإقفال يجب أن يكمل السجلات، لا أن يضطر الفريق إلى تذكر عمليات الأشهر السابقة وتسجيلها.
قد تبيّن الحسابات المعدّة بعد نهاية العام ما حدث، لكنها لا تعيد للإدارة فرصة اتخاذ قرارات أفضل حين كانت تلك القرارات قابلة للتغيير.
